يقول نزار قبانى فى رثاء طه حسين
إنَّك النَّهرُ.. كم سقانا كؤوسًا
وكسانا بالورد والأقحوانِ
لم يزلْ ما كتبْتَهُ يُسْكِرُ الكونَ
ويجرى كالشَّهْد تحت لسانِى
فى كتاب (الأيام) نوعٌ من الرَّسْم
وفيه التفكيرُ بالألوانِ
كلما سنح لى الوقت كتبتُ شيئًا عن طه حسين، وأنا إن كتبت عنه فما أكتب إلا بقلبى وعاطفتى، أحفظ له أثره فى حياتنا الأدبية والفكرية، وهنا أسجل بعض انطباعاتى عنه، محاولا الرد على بعض ما طاله من ادعاءات هو برىء منها.
غير عسير على أحد من الباحثين أن يجد ما يطعن به فى الدكتور طه حسين من الشك فى عقيدته، ومن اليسير أن يرميه بعضهم بالكفر والإلحاد، استنادا إلى عبارات ومقولات موجودة ببعض كتبه، ومن ذلك قوله فى "مستقبل الثقافة فى مصر": "أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء فى الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب"، أو قوله "فى الشعر الجاهلى": "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها..".
إن هذين الاستشهادين كفيلان بأن تقوم القيامة عليه، وتهيج الحياة الأدبية عليه، وأن تنقلب حياته رأسا على عقب، وأن تنغص عليه عيشته، وأن يطرد من الجامعة ويهان، وأن يستجوب أمام النيابة، وأن يكثر اللغط حوله، وأن تظل كتبه مشكوكا فيها، وأن يوصف بأنه عميل للفكر الغربى، وأنه جاحد للتراث العربى جاء لهدمه، وأن يُسأل فى دينه وهو ما حدث بالفعل حتى إنه كتب إلى لطفى السيد مدير الجامعة: "يشهده أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، وتقوم الحملات فى الصحف ضد الرجل ويتهم بالكفر والإلحاد إلى درجة أن انزعج والد طه حسين مما يكتب عن ابنه، فكتب إليه طه رسالة قصيرة، يطمئه فيها إلى صحة موقفه: "أبى، أنت أوصيتنى بأن لا أصدق كل ما أسمع، وأنا أوصيك بأن لا تصدق كل ما تقرأ، لك من زوجتى ومنى أطيب التحيات".
ويذهب المغفلون أنه تنصَّر وكفر بالإسلام، ويظل طه حسين يدافع عن نفسه، لكن العقلية توقفت عند سنة 1926 أى سنة صدور كتابه "فى الشعر الجاهلى"، وكل ما يتذكرونه لطه حسين هو هذا الكتاب فقط، أو قل السطر الذى سجلناه، وكلُّ ما دونه فى الكتب بعد هذه السنة فهم فى حِلٍّ منه، إلا إذا كان يمكن استئصال عبارة منه لخدمة أغراضهم حول الرجل.
أقول إذا كان غير عسير على الباحث أو القارئ غير المتعمق فى درسه أن يتهم طه حسين بما سبق، فليس من الشاق عليه - إذا بحث ونقَّب وفحص- أن يجد دفاعه عن الإسلام وغيرته عليه، ورغبته الشديدة فى أن يقوم المسلمون من رقدتهم وغفلتهم وخمولهم، وأن يأخذوا بأسباب الرقى والتمدن، وأن يسهموا بنصيب وافر فى الحضارة الإنسانية. وقد مات طه حسين ومازالت السهام توجه إلى صدره، ومازال الطعن فيه مستمرا.
بعد أن انتهت معركة "فى الشعر الجاهلى"، وصفا ذهن طه حسين، أعلن رأيه صراحة فى الشعر الجاهلى وذلك بكتابه "حديث الأربعاء"، وفى هذا رجوع عن كل ما قال به فى كتابه الذى أحدث ضجة مخيفة؛ إذ يستعرض وجهة النظر الرافضة لدراسة الشعر القديم على أساس أنه غير مفهوم وغير واضح فيقول: "لا تفرضوا شعركم الجاهلى، بل شعركم القديم، على الطلاب والتلاميذ، فليس هذا الشعر منهم، وليسوا هم من هذا الشعر فى شىء، علموهم ما يستطيعون أن يتعلموا، وخذوهم بحفظ ما يستطيعون أن يحفظوا، ولا تفسدوا عقولهم وأذواقهم بتكليفهم ما لا يطيقون"، والسبب فى نفورهم من هذا الشعر الجاهلى لأن ألفاظه كما يذكر طه حسين: "ألفاظ ضخمة تنبو عنها أذنه وتستغلق عليها معانيه، فإذا حاول فهمها لجأ إلى الشروح والمعاجم، فإذا هذه الشروح والمعاجم مضطربة، شديدة الاختلاط، كثيرة الاستطراد...".
وهذا ما يحدث لنا ولغيرنا عند قراءة لا أقول الشعر الجاهلى فحسب بل يمتد إلى العصر الحديث، فمثلا شعر مدرسة الإحياء مثلا وعلى رأسها البارودى، لا يفهمه كثير من المتعلمين إلا بالرجوع إلى المعاجم والقواميس وعلى رأسها لسان العرب والقاموس المحيط، ورغم هذا تتعدد معانى الكلمة الواحدة وقد تستغرق صفحات طويلة لإيضاح المعنى فى المعجم، ويصل الأمر إلى أن ينفق الإنسان بعضًا من الوقت لحل إلغاز بيت واحد وفك شفراته أو معرفة إشكاله، فما بالك بالقصيدة الواحدة، وما بالك بديوان شاعر واحد؟ إن الأمر سيكون شاقا وعسيرا، وهنا السؤال: لماذا تفرضون علينا دراسة شعر هذه المدرسة (الإحياء) فى مراحل تعليمنا المختلفة، أوَ ليس من الأوْلى تركها لعدم فهمنا إياها؟ قلنا: هذا أمر خطير إذ لو حذفنا أو ألغينا شعر مدرسة الإحياء مثلا، لجاء العصر الذى يلينا وحذف أو ألغى شعر المدرسة التى تليها أو التى لا يفهمها، بحيث لا يكون لنا تراث مع توالى العصور الزمنية، ففى هذا كارثة على الأدب العربى وعلى حياتنا المستقبلية؛ لأن الأمة التى ليس لها ماض ليس لها حاضر، تخيَّلْ أن بعضهم لا يستطيع فهم أدب العقاد مثلا، فهل نحذف كل ما سطره العقاد وهو من العصر الحديث؟! من المؤكد أنه لا يمكن حدوث هذا، وينسحب الأمر على حياتنا الدينية، فإذا ادعى بعضهم أنه لم يفهم الأحاديث النبوية الشريفة، فهل نترك السنة النبوية أو نختار منها ما يفهمه وندع ما لا يفهمه؟! إننا بذلك ننخلع من هوياتنا ونصبح أمة بلا تاريخ.
قال طه حسين فى موضع آخر يرد على الذين تركوا القديم لظنهم أن الحضارة الأوروبية كلها خير خالص: "والذين يظنون أن الحضارة الحديثة قد حملت إلى عقولنا خيرا خالصا يخطئون، فقد حملت الحضارة الحديثة إلى عقولنا شرا غير قليل.. فكانت الحضارة الحديثة مصدر جمود وجهل"، وفى هذا توضيح من عميد الأدب العربى من أن الحضارة الحديثة ليست كلها خيرا بل قد يأتى منها الشرور، وهذا يجعلها مصدر جمود وجهل.
وقد رأى فى الشاب الذى أقبل من أوروبا يحمل الدرجات الجامعية، ويحسن الرطانة بإحدى اللغات الأجنبية، ويجلس إليك وإلى غيرك منتفخا منتفشا، ليعلن إليك فى حزم وجزم، ان أمر القديم قد انقضى، رأى فى هذا الشاب ضحية من ضحايا الحضارة الحديثة، أو من ضحايا جهل الحضارة الحديثة، وشره ليس مقصورا عليه، وإنما يتجاوزه إلى غيره من الناس.
ورد طه حسين على هؤلاء، عدم فهم القديم لصعوبته، وجوب الأخذ بالحضارة الحديثة لأنها تحمل خيرا خالصا، والدراسة فى الغرب، برأى وسط وفيه اعتدال، ليس فيه إسراف فى الأخذ عن الحضارة الحديثة، أو الغلو والشطط فى ترك القديم، فجاء رده بردا وسلاما على الذين يريدون السير إلى الأمام مع عدم ترك القديم فقال بعد أن اتخذ الميل إلى إماتة القديم أو إحيائه مقياسا للذين انتفعوا بالحضارة الحديثة أو لم ينتفعوا بها، أى من انتفع بالحضارة الحديثة هم الذين أحيوا القديم، أما من تجاهلوا القديم فهم الذين لم ينتفعوا بها، وهؤلاء كانوا مثل القردة فى التقليد لا أكثر ولا أقل: "لا حياة لمصر إلا إذا عنيت بتاريخها القديم وبتاريخها الإسلامى، وبالأدب العربى قديمه وحديثه، عنايتها بما يمس حياتها اليومية من ألوان الحضارة الحديثة". وفى هذا الكلام أبلغ رد على منهج الرجل ومذهبه فى التعامل مع التراث، فلم يلغ الشعر القديم، ولم يشكك فيه كما فعل فى "فى الشعر الجاهلى"، إن التقدم عنده مرهون بالعودة إلى التاريخ القديم والتاريخ الإسلامى، لن يصح لنا تقدم إذا أهملنا هذا التاريخ، والتجديد عنده هو فى إحياء القديم، وليس نسفه أو إزالته، هل قرأ من شكك فى عقيدة الرجل مثل هذا الكلام؟! أم أنهم توقفوا عند مقولاته فى كتابه سالف الذكر، وهذا هو طه حسين عندهم، أما طه حسين الذى يغار على التراث وعلى الإسلام فليس موجودا فى أذهانهم، ما بالهم يأخذون بعض كلامه ويتركون كلاما كثيرا فى الدفاع عن الدين والتراث العربى؟!
قرأت فى كتاب لا أتذكره الآن أن دعوته تلك- الاعتناء بالتاريخ القديم والتاريخ الإسلامى- تلتقى مع دعوة (السلفيين) الذين سبقوه أو عاصروه، وكانوا يوجهون حركة الإصلاح نحو الرجوع إلى الإسلام الأصلى خالصا من كل التأويلات الخاطئة التى وقع فيها العلماء عندما نظروا فى القرآن وسنة النبى صلى الله وعليه وسلم.
والعلامة محمود شاكر قد عرض كلام طه حسين وقال تعقيبا عليه: "قد بينت فى بعض مقالاتى أن الدكتور طه، قد رجع عن أقواله التى قالها فى الشعر الجاهلى، بهذا الذى كتبه (عرضنا بعضه وليس كله)، وببعض ما صارحنى به بعد ذلك، وصارح به آخرين، من رجوعه عن هذه الأقوال، لكنه لم يكتب شيئا صريحا يتبرأ منه مما قال أو كتب، وهكذا كانت عادة الأساتذة الكبار يخطئون فى العلن، ويتبرأون من خطئهم فى السر". وهذه شهادة لا يمكن لأحد أن ينكرها أو يتجاهلها، كونها صادرة عن رجل مثل محود شاكر، وبينه وبين طه حسين الكثير الذى يمكن أن يقال، وسنتعرض للعلاقة التى كانت بين الاثنين رحمهما الله فى حلقة أخرى إن شاء الله.
تراجع طه حسين عن آرائه فى أثناء حوار جمعه بين عشرة من الأدباء على الهواء مباشرة؛ إذ سأله كامل زهيرى عن علاقته بالمنهج الديكارتى (منهج الشك) وهل مازال يتمسك به، وهل تراجع عن أحكامه التى صدرت عنه فى الشعر الجاهلى، وكان هذا السؤال توضيحا من المذيعة "ليلى رستم"، فأجاب الدكتور طه: "جلَّ من لا يخطئ، الإنسان يخطئ ويصيب، فإذا أخطأ وعرف أنه أخطأ فأبسط الواجبات عليه أن يعود إلى الصواب، وهذا لا ينافى مذهب ديكارت"، وهذا دليل واضح كل الوضوح فى أنه تراجع عن أحكامه، وليست فى الغرف المغلقة وإنما أمام الملايين، فكيف نبيح لأنفسنا الزعم بأنه مات على آرائه أو أنه لم يغيرها؟ وقد تجاوز الرجل السبعين فى هذا المقابلة التلفزيونية، أى فى أواخر عمره.